مفالاتنا

حرب الكائنات المجهرية، البكتيريوفاج

الحرب المجهرية

منذ القدم و الحروب بمختلف أشكالها تنخر هذا الكوكب، منها المرئية ما بين الجنس البشري، و منها الغير مرئية ما بين الكائنات المجهرية. المؤرقة للعالم البيولوجي و الجارية نتيجة تصادم مختلف أطرافها، فيروسات، بكتيريا و فطريات ...

هذه الحروب الميكروسكوبية أصبحت أكثر شراسة و صعبة التحكم مع مرور الزمن، مما تطلب وسائل أقوى و أنجع اتجاهها. لذا اليوم سنتطرق للجانب البيولوجي المجهري لفحوى الحرب، و التفسير الحيوي لها.

ظهرت العديد من الأمراض البكتيرية المعدية، من طاعون و جذام و سل ... عبر الزمن، وساهمت في التاريخ الأسود الذي عرفه العالم. مستغلتا ضعف الإنسان و حاجته للحماية ضدها، فقد كان الإنسان ينتظر معجزة من جسمه لتفادي شر هذه الأمراض الخبيثة حينها.

تجلت هذه الأعراض للعلن بشكل أكبر إبان الحرب العالمية الأولى. لما كانت جروح و إصابات الجنود تتلوث و تتعفن و تتسبب في الموت البطيئ لأصحابها، أمام مرأى الطبيب الإنجليزي ألكسندر فلامينغ. فقام هذا الأخير بعمل تجارب مخبرية على ذلك، بزرع مجموعة من بكتيريا المكورات العنقودية، في أطباق قصد دراستها باحثا عن حل للمعضلة.

 لكن صدفتا ترك إحدى هذه الأطباق مكشوفا، ليأتي في اليوم الموالي و يجد شيئا غريبا. وجد مناطق متعفنة تفرز مواد تحارب هذه البكتيريا، ليُقْدم هو و مجموعة من زملاءه على استخلاص هذه الإفرازات و إعطائها للمرضى و القضاء على البكتيريا داخل أجسامهم.

هذه القفزة النوعية آنذاك، ساهمت في معالجة الآلاف و حتى الملايين من الجنود و المرضى حول العالم. حيث أصبحت تجرى العمليات الجراحية دون التخوفات السابقة، بالقضاء على العديد من الأمراض البكتيرية المعدية. شفاء الجروح و الإصابات بسهولة. كل هذا فقط بجرعات محددة من المضادات الحيوية، كما رفعت معدلات أعمار الإنسان من 40 الى 70 سنة، و زادت نسب الشفاء الى 50 ضعف عن السابق ليبدأ عصر المضادات الحيوية.

تسمى هذه الإفرازات  بالبنسلين ( مشتق من فطر البنسيليوم ). تم توسيع هذا الإكتشاف ليشمل ( إفرازات لفطريات أخرى ) مضادات حيوية مختلفة. و يتم تصنيعها و إغراقها في الأسواق الانجليزية و الأمريكية سنة 1944م. أنشئت هذه الأخيرة ثورة في المجال الطبي آنذاك و يختم فلامينغ انجازه هذا بجائزة نوبل للطب بعدها سنة 1945م.

 آ هنا علينا أن نتسائل أليست الفطريات بحد ذاتها مؤذية للبشر و المحاصيل الزراعية، التي كثيرا ما تسببت بمجاعات لأصحابها، و حتى أمراض كالفطريات و سرطانات ... . لكن الأفضلية هنا أنها تحارب البكتيريا و البكتيريا تحاربها، ليستغل العلماء هذه العداوة لاستخلاص المواد و الإفرازات الناجمة  عنهما و يُصَنعوا بها أدوية فعالة  لكليهما.

هذه الحرب القائمة، ساهمت في تطوير دفاعاتهما، و أصبحت تتوارثها جيلا بعد جيل فتصير أكثر قوة، لنعود من جديد الى عصر ما قبل المضادات في كل مرة. بظهور أنواع و قوى جديدة و بكتيريات مستعصية، لا تؤثر عليها المضادات الحيوية وهذا: أولا - بسبب الاستعمال الخاطئ للمضادات -  و ثانيا تطوير دفاعاتها، ليموت البشر بها كل سنة.

بعد توغلنا قليلا في فحوى الحرب بين هذه الصغائر المجهرية، علينا أن نعود لما قاله فلامينغ بعد استلامه لجائة نوبل. حيث قال شيئا مهما "منذ الآن سنبدأ عصر الاستخدام الخاطئ للمضادات الحيوية، و سندفع الثمن"، فحتى عند اكتشاف فلامينغ للبنسلين لاحظ أثنائها أن هناك بكتيريا، حتى بنسيلين ذاته لم يستطع تكسيرها و التغلب عليها. و هذا ما يشرح تخوفات فلامينغ التي غطت عليها فرحت الإنجاز العظيم آنذاك.

عادت العصور السوداء لتظهر من جديد،  بعد الاستعمال المفرط  وتطور أمراض بكتيرية  مستعصية على المضادات الحيوية. ليبدأ العلماء في رحلة بحث جديدة عن كائن آخر له عداوة ضد البكتيريا. الطريف في القضية أن هناك طبيب فرنسي يدعى فيليكس ديرال اكتشف ذلك حتى قبل البنسلين سنة 1915، و ذلك بحقن فيروسات داخل أجسام مريضة في تلك الفترة  لكن المضاد الحيوي غطى على هذا الاكتشاف العظيم الآخر، ربما لسهولة مراحله الإنتاجية من تحضير و تخزين و نقل.

دخلت تجارب الفيروسات القاتلة للبكتيريا في سبات، و عُمِل عليها بشكل ضئيل جدا، مع القليل من الأبحاث هنا و هناك، ثم تعود هذه الفكرة لتطفوا على السطح كمنقذ بعد الطغيان و التطور الذي آلت اليه البكتيريا. طبعا مع التخوف الراسخ من الفيروسات و فكرة حقنها داخل الجسم.

سماع فكرة "الفيروسات" هذه حقيقتا هو أمر مخيف و صعب التقبل. نظرا لقواها الفتاكة التي ضربت العالم ( آخرها الكوفيد 19 )، لكن الشيئ المطمئن أكثر أن عمل الفيروسات أكثر دقة و صرامة داخل الجسم. حيث تستهدف  مباشرة البكتيريا الممرضة و تقضي عليها عكس المضادات الحيوية، التي تفتك بكل من في طريقها حتى البكتيريا النافعة ( يلاحظ هذا عند أخذ مضادات حيوية الأمعاء مثلا و الآلام التي تصاحبها ).

رغم الفعالية التي تتمتع بها الفيروسات ضد البكتيريا، و الحرب المتواصلة بينها. استطاعت البكتيريا ايجاد حلول متكيفة، لما لاحظ العلماء أمرا مذهلا جديدا، و هو وجود بكتيريات سمحت للفيروسات باستعمارها و تصبح حاضنة لها (بكتيريوفاج). و هذا ليس عبثا طبعا فمصالح الحرب تطلبت دفاعات أقوى ضد أعداء قوية كبكتيريوفاج آخر لنعود للمعضلة الأساسية من جديدة و مرة أخرى.


المصدر

https://www.youtube.com/watch?v=Yj_gZePz4AU&ab_channel=Espitalia-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D8%A7%D9%84  %D9%8A%D8%A9

https://www.britannica.com/science/bacteriophage


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق