مختارات

قضية سقوط شركة نوكيا، و ما الدرس المستخلص من فشل العملاق الفنلندي ؟

قصة سقوط شركة نوكيا الفنلدية
العملاق الفنلندي


في زمن سابق، و بالعودة إلى الوراء قبل ولوج عالم الهواتف و الشاشات اللمسية. كانت إحدى العلامات التجارية الفنلندية تشهد أبهى أيامها.

نوكيا عملاق الأجهزة المحمولة، و من منا لا يعرف القوة الغير القابلة للتدمير آنذاك. استحوذت على سوق الأجهزة المحمولة سريعا بعد نموها. و شاءت الأقدار أن تكون نهايتها بنفس السرعة. استسلامها للتطور مع المنافسة الشرسة عجلا في سقوطها و كانا من أبرز أسباب تدهور حالتها. تاركتا مقعدا مهما شاغرا في السوق العالمية لغيرها.

 فكيف حدث الأمر ؟ و ما هي أسباب هذا التراجع ؟  و ما الدرس المستخلص منه ؟.

ولادة المجد الفنلندي

نشأت نوكيا عام 1865. مقرها الأساسي في إسبو فنلندا، بالعاصمة هلسنكي. يشار إليها بالفنلندية أيضا "nokiɑ". و هي كيان اقتصادي متعدد الجنسيات في المجال التكنولوجي، الخاص بالإتصالات و الإلكترونيات الاستهلاكية. كما تقدم خدمات الإنترنت تشمل بذلك الألعاب، الموسيقى، التطبيقات، الرسائل، معلومات الخرائط الرقمية المجانية وخدمات الملاحة.

استحوذت حصتها بسرعة على السوق من خلال تجارتها الأساسية الترويج للهواتف المحمولة. و كذلك أحزمة الساعات، مع توفير امكانية تغيير ألوان الأغطية و الأكسسوارات بما يحبذه المستخدم. بحلول عام 1998 ، أزاحت نوكيا شركة موتورولا العملاق الآخر لتصبح أكبر علامة تجارية للهواتف المحمولة في العالم.

وصلت نوكيا لذروتها سنة 2007 ، بامتلاكها لـ 51٪ من حصة السوق العالمية للهواتف المحمولة.  و احتلال Apple حينها ما يقارب 25 ٪ من السوق العالمية. وظفت سنة 2018 حوالي 103000 شخص في أكثر من 100 دولة. لها أعمال تجارية في قرابة 130 دولة  محققتا إيرادات سنوية بلغت 23 مليار يورو.

سجل نجاحات العملاق نوكيا

أبرز أجهزة نوكيا

الى هنا كل شيئ طبيعي هادئ، مصنع من الورق كغيره من مصانع العالم. تمضي السنوات و يغير المصنع نشاطه، و يطور بسنوات من الخبرة و الخدمات نفسه. ليولد وحش جديد في سماء التكنولوجيا. غير موازين القوى. و بالعودة لتلك البلدة الهادئة فقد أصبح الوضع الآن مختلفا. حيوية أكبر، نشاط  موازي،  فرص للعمل و المساهمة في اقتصاد البلد، مع تهافت رجال الزي الرسمي للمنطقة.

 هذا التطور لم يكن صنيع اللحظة و الكسل، فقد مرت الشركة بالعديد من الإنجازات المبهرة، و التي راجت في ربوع العالم، و قفزة به بخطوة عملاقة في مجال تكنولوجيا الاتصال. و هذا فيض من غيض تلك الإنجازات:

أول هاتف نوكيا متنقل

في عام 1979. أعلنت نوكيا عن أول نظام خلوي دولي في تحت اسم شبكة الهاتف المحمول الاسكندنافية في العالم. حيث ربطت كلا من السويد، الدنمارك، النرويج، فنلندا. بعدها تباعا تطلق الشركة أول هاتف متنقل داخل سيارة في العالم. أطلق عليه بـ "Mobira Senator"، بلغ وزنه حوالي 10 كجم. و في سنة 1984 شهد العالم انتاج أول هاتف محمول داخل و خارج السيارة "Mobira Talkman" و عرف بتسمية "The Gorba" بعدها. مع حمية خاصة خفضت وزن الهاتف الى 5 كغ.

بعد تراجع الحاد للمبيعات، و الضغط الذي أصبح على الشركة، تم تقسيمها الى ست وحدات. و أصبحت سنة 1989 تعرف بنوكيا للهواتف المحمولة. 

زيادة تركيز الشركة صوب الهواتف وفقط

أول مكالمة بالعالم بنظام Gsm، أجراها رئيس الوزراء الفنلندي هاري هولكيري سنة 1991. عبر هاتف نوكيا، ثم في العام التالي أطلقت الشركة أول هاتف محمول باليد يعمل بظام "GSM Nokia 1011".

بعدها بعامين أعلنت نوكيا عن سلسلة "2100"، و هي أول الهواتف تحتوي نغمة "Nokia Tune"، بيعت منها حوالي 20 مليون وحدة، و هذا ما كان خارج توقعات الشركة، وحققت بهذا السلسلة نجاحا باهرا.

في 1996 برق جهاز "Nokia 9000 Communicator".يعرف بهاتف الكل في واحد، بسعر 800 دولار. مكن المستخدمين بإرسال رسائل البريد الإلكتروني والفاكس وتصفح الويب و معاجة أقوى من الإصدارات السابقة. إلا أنه لم يلقى نجاحا كبيرا، رغم عدد المتابعين الذي أصبحت الشركة تزخم به .  ثم في نفس السنة أطلقت هاتفها "8110" المنزلق. لقب الجهاز بهاتف الموز، و طل علينا في فيلم العالمي الشهير "The Matrix" لعام 1999.

نوكيا العملاق الساحق

هذه القفزات المتواصلة استمرت، لما أعلنت المؤسسة عن سلسلة "نوكيا 6100". حيث  بيعت منها ما يقرب من 41 مليون هاتف خلوي في عام 1998 مما قفز بالشركة في سلم الصدارة متجاوزتا منافسها الأول شركة موتورولا. لتصبح أكبر صانع للهواتف المحمولة في العالم في ذلك العام. (جهاز Nokia 6110 هو أول هاتف يظهر بها صديقنا Snake اللعبة الكلاسيكية المشهورى).

بعد هذا الإنجاز العظيم، للمارد الفنلدي. قفز كل شيئ معه، حيث ارتفع صافي مبيعات نوكيا السنوي بأكثر من 50٪ . وارتفعت قيمة الأسهم بشكل خرافي وصل 220٪ . مما أدى إلى ارتفاع قيمة الشركة السوقية من 21 مليار دولار، إلى حوالي 70 مليار دولار.

لتبدأ حرب تكسير العظام بعدها، منذ عام 1998 بإطلاق "Nokia 8810" . ثم "Nokia 3210". و كلها كانت هواتف مطورة و محسنة. تعتبر أولى الهواتف بدون هوائيات خارجية، لها قدرة أكبر للبطارية، صغر الحجم و رسائل نصية مدمجة. بيعت منها 160 مليون وحدة لتصبح الشركة الأكبر نجاحا في التاريخ.

المحافظة على العرش ( نوكيا ما بعد 2000)

واصلت نوكيا لكماتها القوية، دون أي رد حقيقي من المنافسين. فقد أصدرت سلسلات مختلفة، في 2001 هاتف "Nokia 7650"، وهو أول جهاز يزود بكاميرا مدمجة، ويستخدم شاشة ملونة بالكامل. ثم في 2002 أول هاتف يعمل بالجيل الثالث "Nokia 6650"

و في نفس السنة أطلقت أيضا "Nokia 3650" و يعد أول هاتف يدخل السوق الأمريكية. لتأتي اللكمة الساحقة في عام 2003، لما أطلقت الشركة هاتفها "Nokia 1100". هاتف لكل الفئات، لتصميمه و ميزانيته المنخفضة. أحدث ضجة كبيرة، و بيعت منه حوالي 250 مليون وحدة. ليصبح الأكثر مبيعا للشركة، و يُستمر انتاجه لغاية 2005 نظرا للطلبات المتواصلة من الموردين عليه.

بداية نهاية كيان نوكيا

حتى ننصف المقال، حدثت عديد الأمور الجانبية، التي أثرت على نوكيا أيام ازدهارها. ففي 2001 انخفضت مبيعات الشركة مع محافظتها على الصدارة. لتعود في 2004 و تنعش سوقها. كما حدثت مشكلة مؤثرة نوعا ما عليها في 2007، بسبب مشكل بالبطاريات. أجبر الشركة على سحب 46 مليون بطارية كانت ستضاف لأجهزتها، و الأمر الأَمَرْ الآخر هو عيوب في البطاريات المنتجة من 2005-2006 و تأثر مجموعة واسعة مصدرة من أجهزتها بذلك في 2007.

السقطة

إصدارات ما قبل السقوط

في عام 2008، أي سنة إطلاق "1.0 Android"، تراجعت  أرباح Nokia للربع الثالث من السنة بنسبة 30٪، كما تراجعت مبيعاتها بـ 3.1٪. مقابل ارتفاع مبيعات iPhone بنحو 330٪ خلال نفس الفترة.

تخبط نوكيا هذا أجبرها سنة 2009، بتسريح 1700 موظف حول العالم. لتقر الشركة الفنلندية أخيرا أنها لم لم تواكب السوق و كان رد فعلها بطيئا اتجاهه. لتزيد متاعبها بتطور عمالقة آخرين سامسونغ، بلاك بيري، Htc، LG

تعيين ستيفن إيلوب رئيس قسم برامج الأعمال في Microsoft سابقا كمدير تنفيذي جديد لنوكيا. أنعش بنحو ضئيل من هيبة الشركة في 2010، لكن مع استمرار تسريح العمال. ( يعد  ستيفن أول قائد غير فنلندي للكيان).

لعل خطاب Elop الذي ألقاه على موظفي Nokia عام 2011. واصف فيه مكانة الشركة في السوق: "بشخص يقف على منصة مشتعلة". يؤكد خط السير الذي كانت تمر به .

إحدى هذه التخبطات، للخروج من الأزمة هو عقد نوكيا شراكة استراتيجية، مع شركة ميكروسوفت العملاقة، و السعي لتصنيع نظام ويندوز خاص بالهاتف، لاجتناب الانغمار في غوغل و آبل.

هذه الشراكة أشعلت شائعات، تقوم على استحواذ شركة microsoft على نوكيا ليصفها إيلوب بالكاذبة، بالتوازي مع أول تفوق لشركة Apple على نوكيا في ربع الثاني من سنة 2011.

ثمار الشراكة بين Nokia و Microsoft كان بأول الهواتف الذكية بينهما "Lumia 800" و "Lumia 710"، اللذان أعلن عنهما في وقت لاحقً من عام 2011. 

تخبطات الشركة تواصلت رغم الإنتعاشات هنا و هناك، مع استمرار نسق تخفيض الوظائف بقي، و زادت عليه هذه المرة  بإقفال أقدم مصانعها في فنلندا سنة 2012 و تحولها لآسيا.

أجهزة Windows Phone الجديدة لم تكن المنقذ كما توقعت نوكيا. ففي الربع الأول من عام 2012، تكبدت الشركة خسائر هائلة مع تواصل جولة تخفيض الوظائف ، وصل حوالي 10000 موظف هذه المرة.

و أخيرًا، فترك القمة ليس كالعودة إليها. كانت آخر محاولاتها عبر جهاز "لوميا 920"، الذي نال آراءا متباينة و تحرك قليلا جدا، لكن لم يصل لركب المتقدمين، و لم يحظى بالأطماع المتوقعة للشركة بترميم أجزاء من كيانها.

و يحل سبتمبر من عام 2013، بالتصريح المؤثر حقا للعالم التقني من المدير التنفيذي يقول فيه:

نحن لم نفعل أي شيء خاطئ، لكن بطريقة ما، خسرنا

معلنا العملاق الفنلندي عن انتهاء سلسلة تخبطاته، ببيع قسم الأجهزة والخدمات إلى Microsoft. و تشمل بعدها خدماتها الأخرى.

سقوط العملاق الفنلندي

أهم أسباب نزيف العملاق الفنلندي المتواصل

هذا التدحرج المرعب للشركة، من أعلى هرم الهيمنة العالمية، إلى الاقتراب من الإفلاس. انتهى ببيع nokia لشركة Microsoft مقابل 7.2 مليار دولار في عام 2013.

ملخص ما اتفق عليه المختصين و المراقبين حول هذا الإنهيار، بشكل شبه شمولي، الذي انحصر حول  ثلاثة أسباب:

  • مشكلة المواكبة التي كانت أقل شأنا من تكنولوجيا آبل.
  • الغطرسة و الصلابة من كبار المديرين.
  • قلة الرؤية.

و بشكل أكثر تفصيل، و بحسب ما أتت به التحقيقات مع مختلف المدراء، و رؤساء الشركات القريبين من الحدث:

  • الخوف التنظيمي.
  • ثقافة القادة المزاجيين والمديرين المرعبين داخل كيان الشركة.
  • الخوف المتواصل للجميع من الطرد.
  • تشبع السوق، و غياب الابتكار الحقيقي.
  • غياب خطة استراتيجية، و تأرجح في الأهداف المسطرة، الربع السنوية و السنوية.
  • خوف المسؤولين من الاعتراف بفشل نظام "Nokia Symbian".
  • التخوف من تطوير نظام كـ IOS أو Android يتطلب سنوات.
  • ثقافة تواصل مشلولة بين المدراء المتوسطين و الأساسيين.
  • الإعتراف بدونية نظام التشغيل سينفر الموردين و العملاء.
  • انتقاد متواصل للمديرين المتوسطين.
  • شعور الريادة.
  • منافسة و مرونة أكبر لدى القادة المنافسين.
  • بدلاً من توفير الموارد لتصنيع نظام تشغيل للمدى الطويل، عالجت الوضع بسد الثغرات، عن طريق إنتاج وحدات بغية التعويض، و هذ فقط معالجة قصيرة للقضية.

ما الدروس المستخلصة من قضية سقوط العملاق الفنلندي

بعد هذا الفشل العنيف، الذي شهده العملاق الفنلندي، غيرت عديد الشركات من استراتيجياتها. و أصبحت أكثر مرونة في التعامل مع موظفيها و مشاكلها. خاصة منها تلك القريبة من مشهد السقوط ذاك كميكروسوفت، غوغل و آبل. بـ:

  • تحسين التواصل بين مختلف أجزاء الكيانات.
  • الإدراك و القدرة على التغيير، و في وقته المناسب.
  • توفير الجو المناسب النفسي و العملي.
  • استثمارات مستمرة في التكنولوجيا و التقنية.
  • الإعتراف بالأخطاء إن تطلب الأمر ذلك، و تعويضها.
  • التأكيد على الإبداعات و براءات الإختراع.
  • استراتيجيات و خطط ملائمة قصيرة و طويلة المدى، مرهونة بأوضاع  تلك الفترة.

حقيقتا، لمسة نوعية أضافتها الشركة الفنلندية، لتكنولوجيا الإتصالات و الأسواق في العالم. وصلت بها لجيوب الكثير من المستخدمين، لكن لا شيئ دائم طبعا. و ممن لا شك فيه أن هذا لن يصغر من حجم كيان كان مسيطرا، و نال اعتراف الجميع يومًا ما. دون تناسي استمرارها وحداتها، و بشعارها لكن تحت جناح العملاق الأمريكي ميكروسوفت.


المصدر

3    2    1   

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق