مفالاتنا

لماذا يتقاضى لاعبوا كرة القدم أكثر من الأطباء ؟

فرق الرواتب بين اللاعبين و الأطباء

لماذا يتقاضى لاعبوا كرة القدم أكثر من الأطباء ؟ لعلها من أكثر الأمور غرابةً و غير أخلاقيةً المنتشرة في العالم اليوم، فأن يكسب الشباب البالغون من العمر 20 عامًا، ملايين اليوروهات سنويًا بمجرد ملامسة الكرة لمدة ساعة ونصف مرة أو مرتين في الأسبوع، دون أي دراسات أو أبحاث أو انتفاع حسي للبشرية على الإطلاق، بينما يكسب الأطباء الذين درسوا ما يقرب من عقد كامل وأنقذوا أرواح البشر كل يوم 400 أو 500 مرة أقل.

فمن الأفضل أن تقنن هذه الإرادات و الأرقام التي يتحصلون عليها، مقارنة بمنقذي الأرواح البشرية الذين يجازفون بحيواتهم، فكيف يمكننا أن نقف أمام مشاهدة لاعبي كرة القدم يكسبون الملايين في العام بينما هناك أناس يتضورون جوعا في نفس البلد ؟

كلنا سمعنا مثل هذه العبارات و ما شابهها فيما يتعلق بالرواتب الخيالية التي يحصدها لاعبو كرة القدم مع العلم حتى أن هذا الموقف غير أخلاقي أو حافز سيئ للأطفال للحصول على تعليم جيد. لكن هل هذا صحيح ؟ هل يكسب لاعبو كرة القدم بالفعل أكثر من الأطباء ؟ و لماذا يتقاضون ذلك.

تحليل الفروق بين رواتب لاعبين كرة القدم و الأطباء

سنأخذ كعينة للتحليل الدوري الإسباني، لذا قبل الشروع في دراسة حول سوق العمل الإسباني لكرة القدم أو أي مناقشة للآثار الأخلاقية لهذا الموقف. نحتاج أولاً أن نقول إن هذا ليس صحيحًا كلياً على الورق، حيث يمكننا تصنيف بعض اللاعبين أصحاب الرواتب المروعة فقط، دون كل اللاعبين الذين في المتوسط ​​يكسبون أكثر من الأطباء، أو حتى أكثر من متوسط ​​الراتب لبلد معين. 

لذا من أجل مقارنة عادلة نوعا ما بين هذه المهن، نحتاج إلى عينة غير متحيزة. حيث لا يمكننا أن ننظر إلى لاعب كرة قدم من بين الأفضل في التاريخ كله كليونيل ميسي، ونجري مقارنة بين راتبه براتب طبيب عادي في برشلونة، ثم نصدر استنتاجنا أن لاعبي كرة القدم يكسبون مئات المرات أكثر من الأطباء. 

فحقا هذا الموقف مشابهًا للنظر إلى مثلا كاسباروف لاعب الشطرنج الروسي النابغة، فلا يمكن أن نقول أن أغلب الشعب الروسي يمتلكون نفس معدل ذكاء لدى كاسباروف، وبالتالي فإن ليونيل ميسي ليس أفضل ممثل لشروط أرباح لاعبي كرة القدم لأن كاسباروف ليس أفضل ممثل للمواطن الروسي من الناحية الذهنية.

حسب الأرقام

إحصائيا، يوجد في إسبانيا أكثر من 700 ألف لاعب كرة قدم بين محترف و هاوٍ، وفقًا لـ "Real Federación Española de Fútbol" يعملون معظمهم إما بدون راتب، أو يتقاضون أقل من الحد الأدنى للأجور. ولهذا نجد أن أغلبهم يحتاج إلى وظيفة أخرى. 

من جهة أخرى هناك حوالي 500 لاعب يتقاضون متوسط ​​أجر يبلغ 1.4 مليون يورو سنويًا، و هم الذين يلعبون في دوري الدرجة الأولى. أما اللاعبين الذين يلعبون في دوري الدرجة الثانية البالغ عددهم حوالي 500 لاعب فيتقاضون أجرا أقل من 200 ألف أورو سنويا في المتوسط.

إجمالا، و ببعض الحسابات نجد أنه يوجد داخل إسبانيا حوالي 1000 لاعب فقط ممن يتقاضون رواتب أعلى من الراتب المتوسط ​​الذي يكسبه الطبيب، المقدر داخل إسبانيا بـ 65 ألف أورو في المعدل.

إذن منطقياً، ما السر وراء هذه الرواتب العالية جدا 

بكلام منطقي آخر، يمكننا أن نتفق على أن الحياة المهنية للاعب كرة القدم بالكاد تصل لـ 10 سنوات، في حين تبلغ الحياة المهنية للطبيب ما بين 30-40 عاماً. طبعا دون الأخذ بعين الاعتبار المشاكل و المخاطر التي يعاني منها لاعبوا كرة القدم من إصابات و تألق و مشاكل إدارية و التي من شأنها أن تؤثر على سيرورة حياته. 

يصل معدل عمل لاعبو كرة القدم لأكثر من 15 ساعة في الأسبوع​​، و منه فإن أجرهم يزيد بنسبة 14٪ لو تم حسابه في الساعة. لذلك و من أجل التعويض عن هذه الإختلافات في الحياة المهنية، يجب أن نلاحظ أن اللاعبون سيحصلون على ما لا يقل عن 4 مرات أكثر من الأطباء.

ولو شملت حساباتنا لاعبي الأقسام الثانية و الثالثة، سنجد متوسط الراتب الأعلى في القسم الثاني يصل 35 ألف أورو، و هو ما يقل في الواقع عن راتب الطبيب، و سيتدهور الوضع أكثر في القسم الثالث و بقية الأقسام.

الخلاصة 


نلخص هذه الأرقام، لنجد أن 14% فقط من إجمالي اللاعبين يتحصلون على رواتب أعلى من متوسط أجور الأطباء، و التي بإمكانها تعويض حياتهم المهنية القصيرة. تبقى نسبة 28% التاليون يكسبون أجر ساعة أعلى من الأطباء، و لكنه غير كافي لتعويضم في حياتهم المهنية الأقصر. تبقى النسبة المقدرة بـ 99.58% للاعبين الباقين لا يتقاضون أكثر حتى من متوسط أجر الطبيب، بالإضافة لأن بعضهم يكسب القليل هذا إن تواجدو في التشكيلات الأساسية و انتصروا طبعا.

تحليل سوق العمل لكرة القدم

كرة القدم ذات طلب عمالة أكبر بل و ذات تأثير أقوى و حتى تشجيع و دعم الأفراد لفرقهم يكون جنونيا في بعض الأحيان. لذلك بالنسبة للاعبي كرة القدم في الدرجة العليا وحتى القسم الثاني. نرى أنه من السهل تجلي ذلك من خلال ملاحظة أن المجتمعات الأوروبية مستعدة غالبا على لملء ما بين 50 إلى 90 ألف شخص أكثر من 30 مرة في السنة بأسعار تتراوح بين 20 أورو و 200 أورو للشخص الواحد لكل مباراة.

 لذلك فإن هذا الطلب الضخم يترجم العائدات و العديد من الأرقام المتداولة. ولكن بالنسبة للمستويات الأدنى الأقسام التالية، يكون الطلب على العمالة منخفضًا جدًا بل و يقترب من الصفر. لذا عادةً ما تكون هذه الألعاب مجانية أو تلقى نوعًا من المشاركة الإلزامية في البعض الأعمال المقابلة.

بالنسبة لكبار الرياضيين، فهم بنفس المستوى مع كبار المؤلفين، الموسيقيين، الممثلين...، نظرا لتمتعهم بمهارات فطرية لا يمكن تكرارها بسهولة. لذلك لا يمكنك بكل بساطة توظيف شخص ما بشكل عشوائي وتحضيره ليكون لاعب كرة قدم من الطراز العالمي. 

لذلك و بالمنحى الطردي للعلاقة بين المال و الطلب المرتفع على الرياضيين النخبة. نجدهم في الأساس لبنة لا يمكن الاستغناء عنها. لكن هذا لا يضمن لهم رواتب عالية جدًا، فلا يكسب الرياضيون من النخبة عادةً الملايين من مهاراتهم. لماذا يكسب لاعبو الدوريات الخمس رواتب أكبر، طبعا يمكن تفسير ذلك بمشاركاتهم بمختلف المسابقات المحلية و القارية كالكؤووس والبطولات المحلية بالإضافة للكؤؤوس القارية ككأس رابطة أبطال أوروبا.

 لذا إذا كنت لاعب كرة قدم من الطراز العالمي، فأنت استثمار سيحقق (نظريًا) عوائد أكبر لناديك.

التحليل الأخلاقي

ينفق الناس جزءًا كبيرًا من دخلهم ووقتهم على كرة القدم، فهم يفكرون بها باستمرار، يملأون الملاعب الكبيرة بأسعار عالية. ينفقون سنويًا لشراء أحدث أقمصة فرقهم و أكسسواراتها. بالإضافة الى أن ما بين 20 و 60 بالمائة من إجمالي المتفرجين يتابعون مباريات دوري أبطال أوروبا و الدوريات الخمس الكبرى في أوقات الذروة، مع مشاهدتهم للبرامج التلفزيونية و الإذاعية المتعلقة بها ... و في الختام، هل من غير الأخلاقي أن يتم إرسال جزء كبير من هذه الكعكة إلى العمال بأجر؟

هذه النسبة الضئيلة المقدرة بـ 0.14٪ من إجمالي لاعبي كرة القدم ممن يكسبون الكثير، أين نرسل هذه الأموال الناتجة عنهم. هل سيكون من الأخلاقي السماح لرؤساء الفرق الاحتفاظ بنسبة أكبر منها ؟ في الاقتصاد المنفرد الغير الهادف للربح، يذهب إجمالي الإنتاج إلى رأس المال والعمالة، و منه فإن الإنفاق المرتفع يَعني أجور مرتفعة.

 مثلا بالنسبة لنادي واحد يملك 25 لاعبا مع بقية الطاقم طبعا، لإحدى الفرق المشهورة كالنادي الكتالوني، نجد أنهم أنفقوا موسم 2014-2015 ما يعادل 509 مليون أورو، اتجه 288.9 مليون منها فقط لأجور اللاعبين. لذا فإن 56.76٪ من إجمالي الإنفاق يذهب إلى لاعبي كرة القدم.

ثانيًا و كي نكون منصفين، تلعب امكانية لعب كرة القدم و بساطة ممارستها لدى العامة، وبالأخص لدى الفئات العمرية الدنيا سببا وجيها في إلقاء الضوء عليها نظرا لشعبيتها، مما يخلق فرص مغرية للعمل تزيد من استعدادية أولئك الأطفال ليصبحوا محترفين مستقبلا. 

أيضا الإغراءات المتاحة للمواهب الشبانية و النظر اليهم كمشروع استثماري ناجح باختلاف أعراقهم و أوضاعهم الإقتصادي مما ينشأ لهم فرصة لدخول عالم الثراء، و الأمثلة كثيرة على ذلك، رونالدينهو، رونالدو، كريستيانو، ميسي،.....


أخيرا...

حقيقتا و كي نوضح بشكل أبسط للجميع، لا يمكن إطلاقا مقارنة منقذ للأرواح البشرية مع لاعب كرة قدم، بل و حتى مع أشخاص يتضورون جوعا في مكان ما، لكن الحقيقةً الوحيدة المؤكدة أنه لا علاقة لللاعبين الذين هؤلاء ممن يكسبون رواتب خيالية بالمشكلة، فهذا يتحدد من خلال معادلة اقتصادية تعرف بالعرض و الطلب بعيدا عن العاطفة و الإنسانية.

أي مما لا شك فيه أنه اقتصاديا هناك مفهوم واحد، طلب أكثر يعني إيرادات أكثر يترجم لأجور أعلى. بالإضافة الى أن هذه الكيانات مستقلة عن الخزائن المالية لبلدانها بالعكس فهي تدفع الضرائب و مختلف الاقتطاعات الأخرى. لهذا لا يجب علينا أن نلوم أحداً عن مآسي جهة أخرى، فالقانون الجديد الذي يحكم اليوم هو "مدى التأثير".


المصدر

https://thevoice.barcelonagse.eu/2015/01/14/is-it-ethical-that-soccer-players-earn-more-than-doctors/#_ftnref1

Real Federación Española de Fútbol


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق