مختارات

لماذا يتقاضى لاعبوا كرة القدم أكثر من الأطباء ؟

فرق الرواتب بين اللاعبين و الأطباء

لماذا يتقاضى لاعبوا كرة القدم أكثر من الأطباء؟ لعلها من أكثر الأمور غرابةً وغير أخلاقيةً المنتشرة في العالم في القرن 21.

حيث يكسب الشباب البالغون اليوم ملايين اليوروهات سنويًا بمجرد ملامسة الكرة لمدة ساعة ونصف مرة أو مرتين في الأسبوع، في حين يكسب الأطباء الدارسون  لما يقرب عقداً كاملاً من الزمن وأنقذوا أرواح البشر كل يوم 400 أو 500 مرة أقل.

لذا يرى الكثيرمن المختصون اليوم أنه من الأفضل أن تقنن هذه الإرادات و الأرقام المحصلة لمجرد لعبة، مقارنة بمنقذي الأرواح البشرية الذين يجازفون بحيواتهم. فكيف يمكننا أن نقف أمام مشاهدة لاعبي كرة القدم يكسبون الملايين من مجرد مداعبة الكرة لـ 90 دقيقة أسبوعياً بينما هناك أناس يتضورون جوعا في نفس البلد ؟

عبارات وأقوال مشابهة نستمع اليها يومياً فيما يتعلق بالرواتب الخيالية التي يحصدها لاعبو كرة القدم. مع العلم أنه في الأساس هذا الموقف غير أخلاقي أو حافز سيئ للأطفال للحصول على تعليم جيد. 

لكن هل هذه الأحاديث صحيحة؟ وهل يكسب لاعبو كرة القدم بالفعل أكثر من الأطباء ؟ و لماذا يتقاضون ذلك؟. كل هذا وأكثر في مقالنا التالي.

تحليل الفروق بين رواتب لاعبين كرة القدم و الأطباء

في بداية، وقبل مناقشة الآثار الأخلاقية وسوق العمل نحتاج أن نبين أولاً إن هذا ليس صحيحًا كلياً على الورق، حيث يمكننا أخذ هذا التصنيف  على بعض اللاعبين أصحاب الرواتب المروعة فقط. دون كل اللاعبين الذين في المتوسط ​​يكسبون أكثر من الأطباء، أو حتى أكثر من متوسط ​​الراتب لبلد معين. 

سنأخذ من الدوري الاسباني عينة للتحليل نظراً لكونه السوق الأكثر دفعاً لوراتب مرتفعة من بين الدوريات الأخرى، لذا قبل الشروع في دراسة حول سوق العمل الإسباني لكرة القدم لابد أن نعمل مقارنة صغيرة.

لذا من أجل مقارنة عادلة نوعاً ما بين هذه المهن، نحتاج إلى عينة غير متحيزة. حيث لا يمكننا أن ننظر إلى لاعب كرة قدم من بين الأفضل في التاريخ كله كليونيل ميسي، ونجري مقارنة بين راتبه براتب طبيب عادي في برشلونة، ثم نصدر استنتاجنا أن لاعبي كرة القدم يكسبون مئات المرات أكثر من الأطباء. 

فحقا هذا الموقف مشابه تماماً إلى مثلا مباراة شطرنج بين كاسباروف لاعب الشطرنج الروسي النابغة واللاعبين الهواة الآخرين. 

فلا يمكن أن نقول أن أغلب الشعب الروسي يمتلكون نفس معدل ذكاء لدى كاسباروف، وبالتالي فإن ليونيل ميسي ليس أفضل ممثل لشروط أرباح لاعبي كرة القدم لأن كاسباروف ليس أفضل ممثل للمواطن الروسي من الناحية الذهنية.

حسب الأرقام

إحصائياً، يوجد في إسبانيا أكثر من 700 ألف لاعب كرة قدم بين محترف و هاوٍ، وفقًا لـ "Real Federación Española de Fútbol" يعملون معظمهم إما بدون راتب، أو يتقاضون أقل من الحد الأدنى للأجور. ولهذا نجد أن أغلبهم يحتاج إلى وظيفة أخرى. 

من جهة أخرى هناك حوالي 500 لاعب يتقاضون متوسط ​​أجر يبلغ 1.4 مليون يورو سنويًا، و هم الذين يلعبون في دوري الدرجة الأولى. أما اللاعبين الذين يلعبون في دوري الدرجة الثانية البالغ عددهم حوالي 500 لاعب فيتقاضون أجراً أقل من 200 ألف أورو سنوياً في المتوسط.

إجمالاً، و ببعض الحسابات المصغرة، نجد أنه يوجد داخل إسبانيا حوالي 1000 لاعب فقط ممن يتقاضون رواتب أعلى من الراتب المتوسط ​​الذي يكسبه الطبيب، المقدر داخل إسبانيا بـ 65 ألف أورو في المعدل.

إذن منطقياً، ما السر وراء هذه الرواتب العالية جدا 

بكلام منطقي آخر، يمكننا أن نتفق على أن الحياة المهنية للاعب كرة القدم بالكاد تصل لـ 10 سنوات، في حين تبلغ الحياة المهنية للطبيب ما بين 30-40 عاماً. 

طبعاً دون الأخذ بعين الاعتبار المشاكل و المخاطر التي يعاني منها لاعبوا كرة القدم من إصابات و تألق و مشاكل إدارية و التي من شأنها أن تؤثر على سيرورة حياته. 

يصل معدل عمل لاعبي كرة القدم لأكثر من 15 ساعة في الأسبوع​​، و منه فإن أجرهم يزيد بنسبة 14٪ لو تم حسابه في الساعة. لذلك و من أجل التعويض عن هذه الإختلافات في الحياة المهنية، يجب أن نلاحظ أن اللاعبون سيحصلون على ما لا يقل عن 4 مرات أكثر من الأطباء.

ولو شملت حساباتنا لاعبي الأقسام الثانية و الثالثة، سنجد متوسط الراتب الأعلى في القسم الثاني يصل 35 ألف أورو، و هو ما يقل في الواقع عن راتب الطبيب، و سيتدهور الوضع أكثر في القسم الثالث و بقية الأقسام.

تلخيصاً لما سبق


وكتلخيص للأرقام السابقة، نجد أن 0,14% فقط من إجمالي اللاعبين يتحصلون على رواتب أعلى من متوسط أجور الأطباء، و التي بإمكانها تعويض حياتهم المهنية القصيرة. 

تبقى ما نسبته 0,28% التاليون يكسبون أجر ساعة أعلى من الأطباء، و لكنه غير كافي لتعويضم في حياتهم المهنية الأقصر. 

أما النسبة المقدرة بـ 99.58% للاعبين الباقين لا يتقاضون أكثر حتى من متوسط أجر الطبيب، بالإضافة لأن بعضهم يكسب القليل هذا إن تواجدوh في التشكيلات الأساسية و انتصروا طبعاZ.

تحليل سوق العمل لكرة القدم

كرة القدم اليوم ذات طلب عمالة أكبر وذات تأثير أقوى على المشجعين بالإضافة لدعم الأفراد لفرقهم الذي قد يكون جنونياً في بعض الأحيان. 

لذلك بالنسبة للاعبي كرة القدم في الدرجات العليا وحتى القسم الثاني، يتجلى أنه من السهل ملاحظة أن المجتمعات الأوروبية مستعدة غالباً لملء ملعب بما بين 50 إلى 90 ألف شخص أكثر من 30 مرة في السنة بأسعار تتراوح بين 20 أورو و 200 أورو للشخص الواحد لكل مباراة.

هذا الطلب الضخم يترجم العائدات والأرقام الأخرى المتداولة. ولكن بالنسبة للمستويات الأدنى، يكون الطلب على العمالة منخفضًا جدًا بل ويقترب من الصفر. فنجد أنه عادةً ما تكون هذه الألعاب مجانية أو تلقى نوعًا من المشاركة الإلزامية في البعض الأعمال المقابلة.

بالنسبة لكبار الرياضيين، فهم بنفس المستوى مع كبار المؤلفين، الموسيقيين، الممثلين...، نظراً لتمتعهم بمهارات فطرية لا يمكن تكرارها بسهولة. لذلك لا يمكنك بكل بساطة توظيف شخص ما بشكل عشوائي وتحضيره ليكون لاعب كرة قدم من الطراز العالمي دون سنوات من التحضير. 

لذلك و بالمنحى الطردي للعلاقة بين المال و الطلب المرتفع على الرياضيين النخبة، نجدهم في الأساس لبنة لا يمكن الاستغناء عنها. 

لكن هذا لا يضمن لهم رواتب عالية جدًا دائماً، فلا يكسب الرياضيون من النخبة عادةً الملايين من مهاراتهم. حيث يكسب لاعبو الدوريات الخمس الكبرى رواتب أكبر.

طبعا يمكن تفسير ذلك بمشاركاتهم بمختلف المسابقات المحلية و القارية للأندية كالكؤووس والبطولات المحلية (ككأس رابطة أبطال أوروبا)، بالإضافة للكؤووس القارية والعالمية لبلدانهم.

لذا إذا كنت لاعب كرة قدم من الطراز العالمي، فأنت استثمار سيحقق (نظريًا) عوائد أكبر لناديك.

التحليل الأخلاقي لهذه الفروقات في الأموال

ينفق الناس جزءًا كبيرًا من دخلهم ووقتهم على كرة القدم. فهم يفكرون بها باستمرار، ويملأون الملاعب الكبيرة الخاصة بها بتذاك ذات أسعار عالية. 

ينفق سنويًا العديد من المشجعين لشراء أحدث أقمصة فرقهم و أكسسواراتها، بالإضافة الى أن ما بين 20 و 60 بالمائة من إجمالي المتفرجين يتابعون مباريات دوري أبطال أوروبا و الدوريات الخمس الكبرى في أوقات الذروة.

كل هذا بالإضافة لمشاهدتهم للبرامج التلفزيونية و الإذاعية المتعلقة بها ... لذا في خضم كل هذا يجب أن نتسائل، هل من غير الأخلاقي أن يتم إرسال جزء كبير من هذه الكعكة إلى وجهات أخرى؟

هذه النسبة الضئيلة المقدرة بـ 0.14٪ من إجمالي لاعبي كرة القدم ممن يكسبون الكثير، أين يمكن ترسل هذه الأموال الناتجة عنهم. 

هل سيكون من الأخلاقي السماح لرؤساء الفرق الاحتفاظ بنسبة أكبر منها؟ في الاقتصاد المنفرد الغير الهادف للربح، يذهب إجمالي الإنتاج إلى رأس المال والعمالة، و منه فإن الإنفاق المرتفع يَعني أجور مرتفعة.

مثلا بالنسبة لنادي واحد يملك 25 لاعبا مع بقية الطاقم طبعاً، لإحدى الفرق المشهورة كالنادي الكتالوني، نجد أنهم أنفقوا مثلاً في موسم 2014-2015 ما يعادل 509 مليون أورو، اتجه 288.9 مليون منها فقط لأجور اللاعبين. لذا فإن 56.76٪ من إجمالي الإنفاق يذهب إلى لاعبي كرة القدم.

ثانيًا وكي نكون منصفين، تلعب امكانية لعب كرة القدم وبساطة ممارستها لدى العامة، وبالأخص لدى الفئات العمرية الدنيا سببا وجيها في إلقاء الضوء عليها نظراً لشعبيتها، مما يخلق فرص مغرية للعمل تزيد من استعدادية أولئك الأطفال ليصبحوا محترفين مستقبلاً. 

أيضا الإغراءات المتاحة للمواهب الشبانية و النظر اليهم كمشروع استثماري ناجح باختلاف أعراقهم وأوضاعهم الإقتصادية. ينشأ لهم فرصة لدخول عالم الثراء، و الأمثلة كثيرة على ذلك، رونالدينهو، رونالدو، كريستيانو، ميسي،.....


أخيرا...

في الواقع، وبشكل أبسط للجميع، لا يمكن إطلاقا مقارنة منقذ للأرواح البشرية مع لاعب كرة قدم، بل و حتى مع أشخاص يتضورون جوعا في مكان ما من هذا العالم.

لكن الحقيقةً الوحيدة المؤكدة أنه لا علاقة لللاعبين ممن يكسبون رواتب خيالية بالمشكلة، فهذا يتحدد من خلال معادلة اقتصادية تعرف بالعرض و الطلب بعيداً عن العاطفة و الإنسانية.

أي أنه اقتصادياً هناك مفهوم واحد، طلب أكثر يعني إيرادات أكثر يترجم لأجور أعلى. بالإضافة الى أن هذه الكيانات مستقلة عن الخزائن المالية لبلدانها. بل بالعكس فهي تدفع الضرائب ومختلف الاقتطاعات الأخرى. 

لهذا لا يجب علينا أن نلوم جهة معينة عن مآسي جهة أخرى، فالقانون الجديد الذي يحكم العالم اليوم في هو "مدى التأثير".


المصدر

↱2 Real Federación Española de Fútbol       1


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق