مفالاتنا

تقنية كريسبر، ثورة التعديل الوراثي

تعيش البكتيريا في عالم قاسٍ. فهم يتعرضون باستمرار لحرب مجهرية من قبل بلايين من العاثيات و الفيروسات بلا رحمة. و للدفاع عن نفسها طورت البعض منها نظامًا بارعًا. 

فعند الإصابة بالعدوى تخزن البكتيريا لمحة عن الهجوم بأخذ قطعة من الحمض النووي مسروقة من المهاجم (فيروس أو عاثية كما ذكرنا سابقا) و تدمجها في الجينوم الخاص بها. وفي حالة حدوث أي هجوم آخر يتعرفون عليه مباشرةً.  و كأنهم وجدوا طريقتا للتطعيم !.

هذه التجربة. كانت أولى الخطوات لوصول العلماء الى تقنية كريسبر  و تطويرها لتشمل الثورة التي نشهدها اليوم في الهندسة الوراثية.

Genitic Editing

إذن ما هي تقنية كريسبر و كيف يتم التعديل الوراثي ؟  و أين وصلت اليوم، و هل ستغير طريقة عيشنا و ما نعتبره طبيعيًا، إلى الأبد !.

تقنية كريسبر

منذ آلاف السنين، و نحن نصنع هندستنا تلقائياً من خلال الإنتقاء، حيث عززنا الصفات المفيدة في النباتات و الحيوانات. و وصلنا مراحل جيدة في هذا، رغم أننا لم نفهم تمامًا كيف يعمل الأمر. 

إلا أن اكتشافنا لأساس علم الوراثة، "الحمض النووي الريبي المنقوص الأكسجين DNA". أعقد جزيء صادفته البشرية، مُوَجِهْ: النمو و التطور و الوظيفة و التكاثر لكل شيء على قيد الحياة، ساعد كثيراً  في تقدمنا خطوتاً نحو الأمام. 

هذا الجزيء هو قاعدة ترميز المعلومة الوراثية بنيويا. يتكون من وحدات تدعى النيوكليوتيدات مقترنة معاً، وتشكل رمزًا يحمل التعليمات. 

حيث أن أي تغير في هذه التعليمات يؤدي لتغيير في الكائن الحي الحامل له. بمجرد اكتشاف الحمض النووي DNA، حاول الناس العبث به. في الستينيات قام أحد العلماء بتعريض النباتات للإشعاع لإحداث طفرات عشوائية في الشفرة الجينية. 

كانت الفكرة هي الحصول على تنوع نباتي مفيد بالصدفة البحتة. رغم ذلك في بعض الأحيان نجحت في الواقع. إبان السبعينيات، أدخل العلماء قطع من الحمض النووي DNA في البكتيريا والنباتات و الحيوانات لدراستها وتعديلها من أجل البحث و الطب و الزراعة و المتعة. 

مصادفة كريسبر !

كريسبر Crispr اختصاراً لـ "Clustered Regularly Interspaced Short Palindromic Repeats" بالعربية "التكرارات العنقودية القصيرة المتناظرة منتظمة التباعد". و هي مجموعة من التسلسلات في الحمض النووي لدى جينومات الكائنات البدائية النواة كالبكتيريا و العتائق. 

أعلن عن اكتشاف هذه المناطق لأول مرة من قبل علماء يابانيين في جامعة أوساكا عام 1987. لما قاموا عن غير قصد بتحديد تسلسل منطقة من الحمض نووي تقع بالقرب من جين شملته الدراسة، تحتوي على عدد كبير من تكرارات تسلسلات متناظرة بينها فواصل. لم يكن هذا النمط معروفا حينها ليتم اكتشافه لاحقاً.

هذه التسلسلات مستنسخة من الحمض النووي الريبي للفيروسات التي هاجمت بدائيات النوى سابقًا. يتم أخذ نسخة عن الفايروسات المهاجمة، ثم استخدام هذه القطع لاكتشاف و تدمير الحمض النووي للعاثيات المماثلة أثناء العدوى اللاحقة. توفر هذه التسلسلات شكلاً من أشكال المناعة المكتسبة، و تمثل دوراً أساسياً في النظام الدفاعي ضد الفيروسات.

Cas9 نسبتاً لـ "البروتين المرتبط بـ CRISPR 9". و هو إنزيم يستخدم تسلسلات كريسبر كدليل للتعرف على سلاسل معينة من الحمض النووي، و فتحها مكملة لتسلسل CRISPR. تشكل إنزيمات كاس9 جنبًا إلى جنب مع تسلسل CRISPR أعمدة تقنية تُعرف باسم "CRISPR-Cas9" و التي يمكن استخدامها لتحرير الجينات داخل الكائنات الحية.

عملية التحرير هذه لها عدة تطبيقات بما في ذلك البحوث، في البيولوجيا الأساسية، تطوير منتجات التكنولوجيا الحيوية و علاج الأمراض. تم الاعتراف بتطوير تقنية كريسبر كاس9 "CRISPR-Cas9" من قبل جائزة نوبل في الكيمياء في عام 2020 و التي مُنحت لإيمانويل شاربنتير و جينيفر دودنا.

تقنية كريسبر كاس 9

تقاتل البكتيريا و الفيروسات منذ فجر الحياة ( تفاصيل القصة ستجدها هنا حرب الكائنات المجهرية، البكتيريوفاج ). ما يسمى بالعاثيات أو الفيروسات التي تصطاد البكتيريا. 

في المحيط، تقتل العاثيات 40٪ منها كل يوم. حيث تقوم بذلك عن طريق إدخال الشفرة الجينية الخاصة بها في البكتيريا و السيطرة عليها لاستخدامها كمصانع. 

حاولت البكتيريا المقاومة لكنها فشلت معظم الوقت لأن أدوات الحماية الخاصة بها ضعيفة للغاية. لكن في بعض الأحيان تنجو البكتيريا من الهجوم لما تنشط نظام مكافحة الفيروسات الأكثر فعالية لديها. بحفظ جزءًا من الحمض النووي للفيروس في شفرتها الجينية داخل أرشيف الحمض النووي المسمى CRISPR. ليستقر هناك بأمان حتى يتم الحاجة إليها. 

وعندما يهاجم الفيروس مرة أخرى، تقوم البكتيريا بسرعة بالإتصال بالأرشيف و طلب نسخة من الحمض النووي الريبي للمهاجم و بهذا تصنع سلاحًا سريًا. بالإستناد لبروتين يسمى CAS9 يقوم هذا الأخير بمسح الحمض النووي الداخلي للبكتيريا بحثًا عن علامات على الفيروس الغازي من خلال مقارنة كل جزء من الحمض النووي الذي يعثر عليه مع العينة المأخوذة من الأرشيف. 

عندما يوجد تطابقًا مثاليًا بنسبة 100%، يتم تنشيطه و يقطع الحمض النووي للفيروس، مما يجعله عديم الفعالية، وتحمي البكتيريا نفسها من الهجوم. الأمر المميز هو أن CAS9 دقيق جدًا، تخيله كجراح محترف للحمض النووي تقريبًا.

أثارت هذه العملية ثورة عندما اكتشف العلماء أن نظام كريسبر قابل للبرمجة و يمكنك فقط إعطائها نسخة من الحمض النووي الذي تريد تعديله و وضع النظام في خلية حية. 

إذا كانت التقنيات القديمة للتلاعب الجيني تشبه الخرائط، فإن تقنية كريسبر تشبه نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). بصرف النظر عن كونها دقيقة و رخيصة و سهلة، توفر CRISPR القدرة على تحرير الخلايا الحية، و تشغيل الجينات و إيقافها. و استهداف ودراسة تسلسلات معينة من الحمض النووي. كما أنه يعمل مع كل نوع من الخلايا: الكائنات الحية الدقيقة، النباتات، الحيوانات و البشر. 

تطبيقات تقنية كريسبر

وُلد أول حيوان معدل وراثيًا في عام 1974، مما جعل الفئران أداة قياسية للبحث، وإنقاذ ملايين الأرواح. في الثمانينيات، كان لدينا إعلان تجاري. لما تم منح أولى براءة اختراع لميكروب مصمم لامتصاص الزيت. 

اليوم أُنتج العديد من المواد الكيميائية عن طريق الحياة المهندسة، كعوامل التخثر المنقذة للحياة، هرمونات النمو، الأنسولين. و كل الأشياء التي كان علينا حصادها من أعضاء الحيوانات من قبل. 

تم طرح أول طعام تم تعديله في المختبر للبيع سنة 1994: تعرف بطماطم Flavr Savr ، وهي طماطم تتمتع بفترة صلاحية أطول بكثير حيث يقوم جين إضافي بكبح تراكم إنزيم التعفن. لكن الطعام المعدّل وراثيًا له جدلٌ أيضاً. 

في التسعينيات، كان هناك أيضًا تجارب صغيرة في الهندسة البشرية. لعلاج عقم الأمهات، حيث تم إنشاء أطفال يحملون معلومات وراثية من 3 بشر. مما يجعلهم أول البشر على الإطلاق لديهم 3 آباء وراثيين. 

يوجد اليوم خنازير فائقة العضلات و سمك سلمون سريع النمو و دجاج بدون ريش وضفادع شفافة. و على سبيل المتعة جعلنا الأشياء تتوهج في الظلام. 

كل هذا أمر حقاً مثير للإعجاب بالفعل، لكن حتى وقت قريب كان تحرير الجينات مكلفًا للغاية و معقدًا ويستغرق وقتًا طويلاً للقيام به. لكن هذا تغير الآن مع دخول تقنية ثورية جديدة إلى المسرح "كريسبر". 

بين عشية و ضحاها، تقلصت تكاليف الهندسة بنسبة 99٪. بدلاً من سنة أو سنوات، أصبح يستغرق الأمر بضعة أسابيع لإجراء التجارب، و يمكن لأي شخص لديه معمل أن يقوم بذلك. لكن من الصعب معرفة مدى ضخامة ثورة تقنية كريسبر. 

فحرفيا لديها القدرة على تغيير البشرية إلى الأبد. لذا السؤال المناسب لنتعمق قليلاً هو كيف حدثت هذه الثورة المفاجئة و كيف تعمل ؟ 

آفاق تقنية كريسبر للتعديل الجيني

على الرغم من الثورة التي أحدثتها تقنية كريسبر للعلم و العالم، إلا أنها لا تزال مجرد أداة من الجيل الأول. يتم بالفعل إنشاء أدوات أكثر دقة استخدمت حديثاً. ففي عام 2015، استخدم العلماء تقنية كريسبر لاستبعاد فيروس نقص المناعة البشرية من الخلايا الحية من المرضى في المختبر. مما يثبت أنه كان ممكنًا. 

في 2016، نفذوا مشروعًا ذو نطاقٍ أوسع مع فئران مصابة بفيروس نقص المناعة البشرية في جميع خلايا أجسامها بشكل أساسي. و ببساطة و بفضل حقن كريسبر في ذيول الفئران، تمكنوا من إزالة أكثر من 50٪ من الفيروس من الخلايا في جميع أنحاء الجسم. 

مع التوقع أنه في غضون بضعة عقود، قد تعالج كريسبر فيروس نقص المناعة البشرية و الفيروسات القهقرية الأخرى بصفة متقدمة، كما يمكن أيضاً القضاء على الفيروسات التي تختبئ داخل الحمض النووي البشري مثل الهربس.

 بهذه الطريقة، يمكن أن تهزم تقنية كريسبر أيضًا أحد أسوأ أعدائنا السرطان. فعندما ترفض الخلايا الموت و تستمر في التكاثر متخفيتاً عن الجهاز المناعي. تمنحنا تقنية كريسبر الوسائل اللازمة لتعديل خلايانا المناعية وجعلها تبحث عن السرطان بشكل أفضل. 

قد يعني التخلص من السرطان في النهاية الحصول على حقنتين فقط من بضعة آلاف من الخلايا الخاصة بنا و التي تم هندستها في المختبر لشفاءنا إلى الأبد. تمت الموافقة على أول تجربة سريرية لعلاج سرطان كريسبر على المرضى من البشر في أوائل عام 2016 في الولايات المتحدة. 

ثم بعد شهر، أعلن العلماء الصينيون أنهم سيعالجون مرضى سرطان الرئة بخلايا مناعية معدلة بتقنية كريسبر في أغسطس 2016. 

مستقبل كريسبر

تسير الأمور بوتيرة سريعة. حيث هناك العديد من الأمراض الوراثية. الآلاف منها تتراوح ما بين المزعجة إلى حد ما و المميتة أو التي تنطوي على عقود من المعاناة. 

باستخدام أداة قوية مثل كريسبر، قد نتمكن من إنهاء ذلك. حيث يعتبر أكثر من 3000 مرض وراثي ناتج عن حرف واحد غير صحيح في حمضك النووي. 

نحن اليوم بالفعل نبني نسخة معدلة من CAS9 تم تصميمها لتغيير حرف واحد فقط، و إصلاح المرض في الخلية. في غضون عقد أو عقدين، يمكننا علاج آلاف الأمراض إلى الأبد. لكن كل هذه التطبيقات الطبية تشترك في شيء واحد.

فهي تقتصر على الفرد وتموت معها، إلا إذا كنت تستخدمها على الخلايا الإنجابية أو الأجنة المبكرة جدًا. ولكن يمكن استخدام التقنية  و ربما سيتم استخدامها في أكثر من ذلك بكثير.

إجراء أي عبث أو تغيير لا رجعة فيه، في مجموعة الجينات البشرية. إن وسائل تحرير جينوم الجنين البشري موجودة بالفعل. على الرغم من أن التكنولوجيا لا تزال في مراحلها الأولى، إلا أنها تمت تجربتها مرتين بالفعل. ففي عامي 2015 و 2016، أجرى العلماء الصينيون تجارب على أجنة بشرية ونجحوا جزئيًا في محاولتهم الثانية. 

بغض النظر عن انطباعك الشخصي حول الهندسة الوراثية، فإنها ستؤثر عليك. يمكن أن يغير البشر المعدلون جينوم جنسنا البشري بأكمله، لأن سماتهم المهندسة سوف تنتقل إلى أطفالهم و يمكن أن تنتشر على مدى أجيال، مما يؤدي ببطء إلى تعديل مجموعة الجينات البشرية بأكملها. و كل هذا سيبدأ ببطء. 

من المرجح أولاً أنه سيتم إنشاؤها للقضاء على مرض وراثي قاتل ينتشر في الأسرة. مع تقدم التكنولوجيا و تحسنها، قد يجادل المزيد والمزيد من الناس بأن عدم استخدام التعديل الوراثي أمر غير أخلاقي، ولكن مع ازدياد قبول التعديل الجيني وتعزز معرفتنا بالشفرة الجينية، سيزداد الإغراء. 

إذا جعلت نسلك محصنًا ضد مرض الزهايمر، فلماذا لا تمنحهم أيضًا عملية التمثيل الغذائي المعزز ؟ لماذا لا تحظى ببصر مثالي ؟ ماذا عن الطول أو الهيكل العضلي ؟ شعر كامل ؟ ماذا عن منح طفلك هدية الذكاء الاستثنائي ؟ و سيتم إجراء تغييرات هائلة نتيجة للقرارات الشخصية  المتراكمة لملايين الأفراد. و هذا هو المنحدر الزلق الصعب جداً تصور نهايته. 

مزيج من الهندسة الوراثية و العلاجات الأخرى يمكن أن يوقف أو يبطئ الشيخوخة، فنحن نعلم من الطبيعة أن هناك حيوانات محصنة ضد الشيخوخة. ربما يمكننا حتى استعارة بعض الجينات لأنفسنا.

 كما يعتقد بعض العلماء أن الشيخوخة البيولوجية يمكن أن تكون شيئًا في النهاية يتوقف عن كونه شيئًا. سنموت في وقت ما، ربما لا حل بديلاً عن ذلك...


أخيرا...

رغم أن هناك تقارير حديثة تشير أن هذا النهج ليس دقيقًا كما هو معلن. فنحن نعتقد أننا نقوم بتحرير حرف واحد فقط من كتاب ما، لكن في الواقع قد يتم تغيير صفحات بأكملها في مناطق غير مقصودة.


المصدر 


3     2     1

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق